لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد إضافة تسويقية في الهواتف الذكية، بل أصبح الركيزة الأساسية التي تبنى عليها تجربة المستخدم الحديثة. في هذا السياق، كشفت شركة سامسونج عن رؤية طموحة تؤكد أن المرحلة القادمة من صناعة الهواتف لن تكون مجرد تطوير في الهاردوير، بل قفزة نوعية في دور الهاتف نفسه.
ففي تصريح رسمي أدلى به T.M. Roh، رئيس قسم الأجهزة المحمولة في سامسونج، يوم 5 يناير، أعلنت الشركة أنها تستهدف مضاعفة عدد أجهزتها المدعومة بالذكاء الاصطناعي ليصل إلى 800 مليون جهاز بحلول عام 2026، في خطوة تعكس رهان واضح على مستقبل يعتمد على الذكاء الاصطناعي المحلي (On-device AI).
من أجهزة اتصال إلى مساعدين شخصيين
على مدار العقدين الماضيين، تطور الهاتف الذكي من جهاز للاتصال وإرسال الرسائل إلى منصة متكاملة للتطبيقات والخدمات. لكن سامسونج ترى أن المرحلة التالية أكبر من ذلك بكثير.
بحسب رؤية الشركة، الهاتف القادم لن ينتظر اتصال بالإنترنت ليعمل، ولن يعتمد كلياً على الكلاود، بل سيتحول إلى مساعد شخصي ذكي قادر على:
- فهم سياق المستخدم وسلوكه اليومي
- تنفيذ الأوامر الصوتية المعقدة
- تحليل الصور والفيديوهات فورياً
- اقتراح إجراءات ذكية قبل أن يطلبها المستخدم
كل ذلك يتم محلياً على الجهاز نفسه، بدون إرسال البيانات إلى السيرفرات.
ما هو On-device AI ولماذا تراهن عليه سامسونج؟
1. الخصوصية أولاً
أحد أكبر التحديات التي تواجه الذكاء الاصطناعي السحابي هو الخصوصية. المعالجة المحلية تعني أن:
- البيانات لا تغادر الجهاز
- لا حاجة لرفع الصور أو الصوت إلى الإنترنت
- تقليل مخاطر الاختراق وتسريب المعلومات
وهذا يتماشى مع القوانين الصارمة لحماية البيانات في أوروبا والعديد من الأسواق العالمية.
2. سرعة واستجابة فورية
المعالجة المحلية تتيح:
- استجابة أسرع بدون تأخير الشبكة
- عمل الميزات الذكية حتى بدون إنترنت
- تجربة أكثر سلاسة في الترجمة، التصوير، والتحكم الصوتي
3. ذكاء اصطناعي مخصص لكل مستخدم
On-device AI يسمح بتعلم أنماط المستخدم بشكل أعمق:
- طريقة الكتابة
- التطبيقات الأكثر استخدام
- أوقات النشاط
- أسلوب التصوير
ما يجعل الهاتف يتكيف معك وليس العكس.
800 مليون جهاز: ماذا يشمل هذا الرقم؟
سامسونج لا تتحدث فقط عن الهواتف الرائدة، بل عن منظومة كاملة من الأجهزة، تشمل:
- هواتف Galaxy (الرائدة والمتوسطة)
- الأجهزة القابلة للطي
- أجهزة التابلت
- الساعات الذكية
- بعض الأجهزة المنزلية الذكية
الهدف هو بناء نظام بيئي مدعوم بالذكاء الاصطناعي يعمل بتناغم، حيث يتواصل الهاتف مع الساعة، والساعة مع السيارة، وكل ذلك يتم بذكاء محلي بدون إنترنت.
Galaxy AI: حجر الأساس في استراتيجية سامسونج
من خلال منصة Galaxy AI، بدأت سامسونج فعلياً في تنفيذ هذه الرؤية، مع ميزات مثل:
- الترجمة الفورية للمكالمات
- تلخيص النصوص والملاحظات
- تعديل الصور باستخدام الذكاء الاصطناعي
- اقتراحات ذكية داخل النظام
والأهم أن سامسونج تعمل على تشغيل جزء كبير من هذه الميزات محلياً، بدل من الاعتماد الكامل على الكلاود.
المنافسة تشتعل: سامسونج في مواجهة ابل وجوجل
رهان سامسونج على الذكاء الاصطناعي المحلي يضعها في مواجهة مباشرة مع:
- ابل التي تركز على الخصوصية والمعالجة على الجهاز
- جوجل التي تمتلك تفوق كبير في نماذج الذكاء الاصطناعي
لكن ما يميز سامسونج هو تنوع أجهزتها وانتشارها عالمياً، ما يجعل هدف 800 مليون جهاز واقعي أكثر من غيرها.
ماذا يعني هذا للمستخدم في العالم العربي؟
بالنسبة للمستخدم العربي، هذا التحول يعني:
- ميزات ذكية تعمل بدون إنترنت قوي
- دعم أفضل للغات محلياً في المستقبل
- تقليل استهلاك البيانات
- تجربة أسرع وأكثر خصوصية
وهو أمر بالغ الأهمية في الأسواق الناشئة التي لا يتوفر فيها اتصال ثابت دائماً.
هل نحن أمام أكبر تحول في تاريخ الهواتف؟
تصريح سامسونج لا يبدو مجرد رقم، بل إعلان عن مرحلة جديدة تتحول فيها الهواتف من أدوات نستخدمها إلى شركاء يفهموننا.
إذا نجحت الشركة في تحقيق هدفها، فقد نشهد بحلول 2026:
- هواتف تتخذ قرارات ذكية
- أنظمة تفهم المستخدم قبل أن يتفاعل
- تقليل الاعتماد على الإنترنت
الخلاصة
سامسونج تراهن بقوة على مستقبل يكون فيه الذكاء الاصطناعي جزء من نواة الجهاز، وليس خدمة إضافية. ومع هدف الوصول إلى 800 مليون جهاز مدعوم بالذكاء الاصطناعي بحلول 2026، يبدو أن المنافسة في عالم الهواتف الذكية دخلت مرحلة جديدة… مرحلة يكون فيها الهاتف ذكي فعلاً.

