أطلقت ميتا وضع جديد للبحث بالذكاء الاصطناعي داخل فيسبوك تحت اسم AI Mode، في خطوة تبدو أقرب إلى إعادة تعريف دور المنصة نفسها، من شبكة اجتماعية تعتمد على التمرير والتصفح، إلى طبقة بحث ذكية تساعد المستخدم على الوصول إلى إجابات وتوصيات مبنية على ما ينشره الناس داخل منظومة ميتا.
الإعلان الرسمي يصف الميزة بأنها طريقة جديدة للحصول على إجابات مرتكزة على الثقافة والاراء والتوصيات التي يشاركها المستخدمون عبر التطبيقات، وليس مجرد قائمة روابط تقليدية.
ما هو AI Mode الجديد على فيسبوك؟
الـ AI Mode هو تبويب بحث جديد داخل فيسبوك يتيح للمستخدم طرح سؤاله بلغة طبيعية والحصول على إجابة مولدة بالذكاء الاصطناعي، بدلًا من الاكتفاء بنتائج البحث الكلاسيكية.
وفق Meta، فإن هذا الوضع يعتمد على ما يقوله الناس علناً عبر التطبيقات، خصوصًا داخل الجروبات والـ Reels، بحيث يقدم وجهات نظر وتجارب حقيقية بدلًا من قائمة من الروابط.
النتائج يمكن أن تتبعها أسئلة إضافية لتضييق نطاق البحث وتحسين الإجابة.
من البحث التقليدي إلى البحث التفاعلي
الفارق الجوهري هنا ليس في وجود شات بوت داخل فيسبوك، بل في طريقة بناء الإجابة نفسها.

لا يكتفي AI Mode بفهم السؤال، بل يحاول تلخيص ما تقوله المجتمعات العامة على فيسبوك ومنصات Meta الأخرى حول هذا الموضوع ثم يحول ذلك إلى رد مباشر ومركز.
هذا يضع فيسبوك في منطقة وسطى بين محرك بحث اجتماعي ومساعد ذكي، ويجعل البحث أقرب إلى محاورة مستندة إلى خبرة الناس بدلًا من الروابط.
أين يظهر داخل الواجهة؟
يظهر AI Mode بجانب أنماط البحث المعتادة مثل People وMarketplace، أي أنه مدمج داخل واجهة البحث الحالية بدل أن يكون تطبيق منفصل أو تجربة معزولة.
هذا التكامل مهم جدًا لأنه يقلل التشتت، المستخدم لا يحتاج إلى تعلم أداة جديدة، بل ينتقل من البحث العادي إلى البحث الذكي من داخل المكان نفسه الذي يستخدمه أصلًا.
لماذا تعتبر هذه الخطوة مهمة لميتا؟
هذه ليست مجرد إضافة وظيفية صغيرة، بل محاولة واضحة لتحويل Facebook إلى مساحة لإنجاز المهام اليومية، وهو ما تؤكده ميتا نفسها بعبارة
make things happen
فبدل أن يضيع المستخدم وقت طويل في التنقل بين المجموعات والمنشورات والتعليقات، تريد ميتا أن يسأل مباشرة: ما أفضل مكان؟ ما أفضل توصية؟ ما الذي يقوله الناس عن هذا المنتج أو هذا الحدث؟ ثم يحصل على جواب مختصر ومفيد في لحظات.

من منصة تواصل إلى أداة مساعدة
التحول الذي تسعى إليه ميتا هنا يشبه نقل فيسبوك من مرحلة التصفح الاجتماعي إلى مرحلة الاستخدام الوظيفي.
بمعنى آخر، المنصة لا تريد أن تبقى مجرد مكان لعرض المنشورات، بل تريد أن تصبح أداة تساعد المستخدم على التخطيط، والاختيار، والبحث، واتخاذ القرار.
هذا ينسجم مع توجه أوسع لدى Meta خلال 2026 لدمج الذكاء الاصطناعي في البحث والتسوق والإبداع داخل تطبيقاتها.
المنافسة مع محركات البحث التقليدية
ميزة AI Mode تكشف أيضًا عن نية ميتا في منافسة نوع مختلف من البحث، البحث الذي يقدم إجابات، لا مجرد نتائج.
التغطيات التقنية قارنت التجربة بشكل غير مباشر بأنظمة بحث الذكاء الاصطناعي لدى شركات أخرى، بما فيها تجارب تستند إلى محتوى المجتمع مثل Reddit.

الفكرة هنا أن ميتا تمتلك كنز مختلف، بيانات اجتماعية عامة ضخمة ومتنوعة، يمكن تحويلها إلى محرك توصيات حي إذا نجحت في تنظيمها وعرضها بذكاء.
كيف يستفيد الـ AI Mode من البيانات العامة عبر منصات ميتا؟
جوهر التجربة هو الاعتماد على المحتوى العام عبر تطبيقات ميتا، لا على البيانات الخاصة أو المحادثات المغلقة.
ميتا تقول إن النتائج تستند إلى ما يشاركه الناس علنًا عبر تطبيقاتها، بما في ذلك فيسبوك وإنستجرام، مع قدرة النموذج الأساسي Muse Spark على إظهار مزيد من التوصيات والمحتوى عبر Instagram وFacebook وThreads مع الوقت.
كما أوضحت ميتا أن Muse Spark سيصل أيضًا إلى WhatsApp وMessenger وInstagram وFacebook وThreads، ما يعزز فكرة أن AI Mode ليس مجرد ميزة معزولة، بل جزء من طبقة ذكاء موحدة عبر المنظومة كاملة.
البحث في المجموعات العامة والـ Reels
أحد أكثر الاستخدامات العملية هنا هو البحث داخل النقاشات العامة، بدلًا من فتح مجموعة تلو الأخرى وقراءة عشرات التعليقات للوصول إلى خلاصة مفيدة، يمكن للمستخدم أن يطرح سؤال مباشر ويحصل على تلخيص لما يدور في تلك المجتمعات.

هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يفهم الحقيقة المطلقة، لكنه على الأقل يختصر الطريق إلى ما يتكرر بين المستخدمين، وما يبدو أكثر حضور في النقاش العام.
صورة أشمل من Instagram وFacebook وThreads
ميزة أخرى مهمة أن ميتا لا تريد حصر الذكاء الاصطناعي داخل تطبيق واحد.
فالخطة الأوسع كما تشرحها Meta هي أن يصبح Muse Spark قادر على سحب السياق والمحتوى والتوصيات عبر Instagram وFacebook وThreads، ثم إسقاط هذه المعرفة في تجربة بحث أو محادثة أكثر ثراء.
عمليًا، هذا يعني أن AI Mode لا يبحث في فيسبوك فقط، بل في طبقة اجتماعية أوسع داخل عالم ميتا.
سيناريوهات الاستخدام: كيف يخدمك AI Mode يوميًا؟
من أكثر السيناريوهات وضوح استخدام AI Mode في التخطيط واتخاذ القرار.
إذا كنت تبحث عن مطعم محلي، أو حفلة قريبة، أو مرشحين لخدمة معينة، فإن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يختصر عليك التصفح الطويل عبر المنشورات والتعليقات، ويقدم لك صياغة مركزة لما يراه من توصيات واراء عامة.
تصفه Meta فعلًا كأداة تساعد على العثور على إجابات حقيقية من أشخاص حقيقيين، وهو ما يوضح أن التركيز ليس على المعلومات الرسمية فقط، بل على الخبرة المجتمعية كذلك.
التخطيط للرحلات والأنشطة المحلية
في التخطيط للرحلات مثلًا، يستطيع المستخدم أن يسأل عن أفضل الأماكن التي ينصح بها الناس في مدينة معينة، أو عن تجارب زوار سابقين داخل مجموعة عامة، ثم يحصل على ملخص يجمع ما هو مفيد بدلًا من قراءة مئات المشاركات.

هنا يتحول Facebook من مساحة اكتشاف اجتماعي إلى قناة لتجميع خبرات المجتمع في جواب واحد سريع.
العثور على مقدمي خدمات أو توصيات موثوقة
يمكن أيضًا توظيف AI Mode للبحث عن مقدمي خدمات محليين أو منتجات أو أماكن يوصي بها الناس، خصوصًا عندما تكون الإجابة المطلوبة قائمة على الانطباعات المتكررة داخل المجموعات العامة.
هنا تكمن قوة ميتا الحقيقية، ليس في امتلاك معلومة واحدة، بل في قدرتها على جمع المشاركات الاجتماعية ثم تلخيصها بسرعة.
هل ينجح الذكاء الاصطناعي في تلخيص المجموعات العامة؟
الفرصة كبيرة لكن المخاطر موجودة أيضًا، ما مدى موثوقية الإجابات المولدة من منشورات عامة ونقاشات المستخدمين؟ لأن الذكاء الاصطناعي هنا لا يعتمد فقط على مصادر أو قواعد بيانات موثقة، بل على كلام الناس نفسه، وهذا يعني احتمال دخول معلومات قديمة أو مضللة إلى الإجابة النهائية.
القوة: سرعة الوصول إلى الخلاصة
القيمة الأساسية لهذه التجربة هي السرعة والاختصار، بدلًا من قراءة 100 تعليق للوصول إلى النتيجة نفسها، يقدم AI Mode الخلاصة أولًا.

وهذه نقطة قد يحبها المستخدم العادي جدًا، خصوصًا داخل المجموعات الكبيرة التي تصبح أحيانًا فوضوية أو مكررة، كما أن وجود أسئلة متابعة يجعل النتائج أقل جمود وأكثر قابلية للتخصيص.
الضعف: هل كل إجابة عامة تعني إجابة دقيقة؟
لكن الخلاصة السريعة ليست دائمًا الخلاصة الصحيحة، عندما يبني النظام إجابته على محتوى علني من المستخدمين، فقد يعكس اراء شعبية أكثر مما يعكس حقيقة دقيقة.
لذلك، نجاح AI Mode لن يعتمد فقط على قوة النموذج، بل أيضًا على قدرته على التمييز بين الرائج والموثوق، وبين الرأي والخبرة، وبين المحتوى المفيد والمحتوى المضلل.
هذا هو التحدي الحقيقي الذي ستواجهه Meta مع أي بحث ذكي اجتماعي من هذا النوع.
ما الذي تعنيه هذه الخطوة لمستقبل فيسبوك؟
إذا نجحت ميتا في هذه التجربة، فقد يصبح فيسبوك أقل اعتماد على فكرة التايم لاين وأكثر اعتماد على فكرة المعرفة الاجتماعية القابلة للبحث.
هذا تغيير عميق في هوية المنصة، بدل أن تكون مجرد مكان تتابع فيه ما ينشره الاخرون، ستصبح مكان تسأل فيه المجتمع نفسه عن أفضل إجابة، ثم تحصل على رد ذكي ومختصر في نفس الواجهة.
وقد وصفت ميتا هذا المسار بأنه جزء من جعل الـ AI أكثر قدرة، وأكثر سياقية، وأكثر فائدة في الحياة اليومية.
إذا تحول البحث إلى محادثة، ماذا يبقى من السوشيال ميديا؟
السؤال الأهم ليس تقني فقط، بل استراتيجي أيضًا، هل سيبقي هذا التوجه على فيسبوك كشبكة اجتماعية فعلًا، أم سيعيد تشكيله ليصبح بوابة بحث اجتماعي مدعومة بالذكاء الاصطناعي؟ ميتا تبدو مقتنعة بأن الجمع بين الناس والذكاء هو الطريق الأفضل، خاصة مع قدرتها على ربط Facebook وInstagram وThreads وWhatsApp ضمن بنية واحدة.
لكن الحكم النهائي سيعتمد على تجربة المستخدم الفعلية، هل سيجد إجابات أفضل فعلًا، أم مجرد ميزة جديدة؟
الخلاصة
إطلاق AI Mode على فيسبوك ليس مجرد تحديث عادي، بل إشارة إلى اتجاه واضح وهو: ميتا تريد أن تجعل المنصة أكثر ذكاء، وأكثر فائدة، وأكثر قدرة على تحويل المحتوى العام إلى إجابات قابلة للاستخدام فورًا.
الفكرة جذابة جدًا خصوصًا في البحث عن التوصيات المحلية، وتلخيص النقاشات الطويلة، وتسهيل التخطيط واتخاذ القرار.
لكن نجاحها النهائي سيعتمد على دقة التلخيص، وموثوقية الإجابات، ومدى قدرة Meta على بناء طبقة ذكاء تحترم السياق دون أن تقع في فخ التعميم أو التضليل.

