شهدت صناعة الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة سباق محموم نحو تطوير نماذج لغوية عملاقة تتمتع بقدرات استثنائية في فهم اللغة وتوليد المحتوى.
إلا أن هذا السباق كشف أيضًا عن حقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تشغيل هذه النماذج على نطاق واسع يفرض تكاليف تشغيلية ضخمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بخدمات يستخدمها مئات الملايين من المستخدمين يوميًا.
لهذا السبب بدأت مايكروسوفت في إعادة التفكير في استراتيجيتها الخاصة بالذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف امتلاك أقوى نموذج فقط، بل امتلاك النموذج الأكثر كفاءة وربحية.
ورغم استثمارات الشركة الضخمة في OpenAI واعتماد العديد من خدماتها على نماذجها المتقدمة، فإن Microsoft أصبحت تدرك أن استخدام نموذج لغوي ضخم لكل مهمة صغيرة داخل منتجاتها لم يعد قرار اقتصادي منطقي.
هذه الرؤية الجديدة دفعت الشركة إلى الاستثمار بقوة في نماذجها الخاصة من عائلة Phi، وهي نماذج لغوية صغيرة (SLMs) تستطيع تنفيذ العديد من المهام اليومية بسرعة أكبر وتكلفة أقل بكثير.
لماذا أصبحت تكلفة تشغيل الذكاء الاصطناعي مشكلة حقيقية؟
مع انتشار خدمات مثل Copilot داخل:
- Microsoft Word
- Outlook
- Excel
- PowerPoint
- Teams
- Windows
- GitHub Copilot
أصبحت مايكروسوفت تعالج مليارات الطلبات (Prompts) يوميًا، وكل عملية تلخيص لبريد إلكتروني، أو كتابة فقرة، أو ترجمة نص، أو اقتراح رد ذكي، تعني إرسال طلب إلى نموذج ذكاء اصطناعي يحتاج إلى موارد حوسبة هائلة.
ورغم أن هذه العمليات تبدو بسيطة للمستخدم، فإنها تستهلك قدر كبير من وحدات GPU، والذاكرة، والطاقة الكهربائية، والبنية التحتية السحابية، والتوكنز (Tokens).
كلما زاد عدد المستخدمين ارتفعت الفاتورة التشغيلية بصورة هائلة.
ما المقصود بتكلفة التوكنز (Tokens)؟
تعتمد معظم نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة على نظام يسمى Tokens.
التوكن هو وحدة صغيرة من النص، ويمكن أن يكون كلمة، جزء من كلمة، أو علامة ترقيم.
كل رسالة يكتبها المستخدم يتم تحويلها إلى مجموعة من التوكنز، ثم يقوم النموذج بمعالجتها وإنتاج توكنز جديدة في الإجابة.
نهاية عصر “الأداء بأي ثمن”
التحول إلى اقتصاد الذكاء الاصطناعي
في بداية الثورة الحالية للذكاء الاصطناعي، كان الهدف الأساسي هو الوصول إلى أعلى مستوى ممكن من الأداء، بغض النظر عن التكلفة.
لكن مع توسع الخدمات التجارية، تغيرت الأولويات، اليوم أصبح السؤال: “هل نحتاج فعلًا إلى أقوى نموذج ذكاء اصطناعي لكل مهمة؟“
الإجابة في معظم الأحيان هي: لا، فليس من المنطقي استخدام نموذج لغوي عملاق لإنجاز مهام بسيطة مثل:
- تلخيص بريد إلكتروني مكون من فقرتين.
- تصحيح الأخطاء الإملائية.
- إعادة صياغة جملة.
- ترجمة فقرة قصيرة.
- إنشاء عنوان لمستند.
- اقتراح رد سريع في Outlook.
هذه المهام لا تتطلب نموذج بحجم النماذج الرائدة، بل تستفيد أكثر من نماذج أصغر محسنة لهذه الاستخدامات.
عائلة Phi: السلاح الجديد لمايكروسوفت

ما هي نماذج Phi؟
طورت مايكروسوفت سلسلة من النماذج اللغوية الصغيرة تعرف باسم:
- Phi-2
- Phi-3
- Phi-3.5
- Phi-4
وتندرج هذه النماذج ضمن فئة Small Language Models (SLMs).
بدلًا من الاعتماد على مئات المليارات من المعاملات (Parameters)، تركز هذه النماذج على:
- التدريب عالي الجودة.
- تنقية البيانات.
- تحسين البنية.
- تقنيات الضغط (Model Compression).
- الضبط الدقيق (Fine-Tuning) لمهام محددة.
النتيجة هي نماذج صغيرة الحجم لكنها فعالة جدًا في سيناريوهات الاستخدام اليومية.
لماذا تعتبر Phi أقل تكلفة؟
هناك عدة أسباب تجعل نماذج Phi أكثر كفاءة من النماذج العملاقة:
حجم أصغر
كلما صغر حجم النموذج:
- قلت الذاكرة المطلوبة.
- انخفض زمن الاستجابة.
- تراجع استهلاك الطاقة.
استهلاك أقل لوحدات GPU
يمكن تشغيل النماذج الصغيرة على عدد أقل من معالجات الجرافيكس، ما يسمح بخدمة عدد أكبر من المستخدمين بنفس البنية التحتية.
سرعة أعلى
توفر نماذج Phi استجابة شبه فورية في العديد من المهام اليومية، وهو ما ينعكس مباشرة على تجربة المستخدم.
تكلفة تشغيل أقل
كل عملية استدلال (Inference) باستخدام نموذج صغير تستهلك موارد أقل، ما يؤدي إلى خفض التكاليف التشغيلية بشكل كبير عند التعامل مع ملايين أو مليارات الطلبات يوميًا.
كيف سيؤثر ذلك على Copilot؟
Copilot لن يعتمد على نموذج واحد
أحد أهم التحولات في بنية Copilot هو الانتقال إلى مفهوم “اختيار النموذج المناسب للمهمة”.
بدلاً من إرسال جميع الطلبات إلى نموذج ضخم واحد، سيقوم النظام بتحليل طبيعة المهمة أولًا، ثم يختار النموذج الأنسب.
على سبيل المثال:
المهام البسيطة
قد تعتمد على:
- Phi-3.5
- Phi-4
مثل:
- الترجمة
- التلخيص
- التصحيح
- الردود الذكية
المهام المتقدمة
أما الطلبات الأكثر تعقيد، مثل:
- البرمجة المتقدمة
- تحليل المستندات الطويلة
- الاستدلال المنطقي
- إنشاء محتوى احترافي
- حل المشكلات المعقدة
فقد يتم توجيهها إلى نماذج أكبر وأكثر قدرة عند الحاجة.
هذه الاستراتيجية تحقق توازن بين جودة النتائج وتكاليف التشغيل.
لماذا لا تتخلى مايكروسوفت عن OpenAI بالكامل؟
رغم توجهها نحو نماذجها الخاصة، لا يعني ذلك انتهاء التعاون مع OpenAI.
فالنماذج الرائدة لا تزال تتفوق في العديد من المجالات، مثل:
- الاستدلال المتقدم.
- التفكير متعدد الخطوات.
- البرمجة المعقدة.
- تحليل البيانات الكبيرة.
- فهم السياقات الطويلة.
لكن مايكروسوفت تسعى إلى استخدام هذه النماذج في الأماكن التي تضيف فيها قيمة حقيقية، بدلاً من استخدامها في كل مهمة بشكل افتراضي.
تأثير هذه الاستراتيجية على Azure
تمتلك مايكروسوفت واحدة من أكبر البنى السحابية في العالم عبر Azure.
خفض تكلفة الاستدلال يعني:
- تقليل استهلاك مراكز البيانات.
- تقليل استهلاك الكهرباء.
- رفع عدد الطلبات التي يمكن معالجتها.
- زيادة هامش الربح.
- تحسين كفاءة البنية التحتية.
كما يمنح ذلك العملاء خيارات أوسع، حيث يمكنهم اختيار نماذج صغيرة منخفضة التكلفة أو نماذج كبيرة للمهام الأكثر تعقيد.
المنافسة لم تعد على الذكاء فقط
اقتصاد الذكاء الاصطناعي هو المعركة القادمة
تتغير معايير المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي بسرعة.
في الماضي، كان السؤال: “من يمتلك أقوى نموذج؟“
أما اليوم، فأصبح السؤال: “من يستطيع تشغيل الذكاء الاصطناعي بأقل تكلفة مع الحفاظ على جودة عالية؟“
هذه المعادلة الجديدة تعني أن الشركات التي تمتلك نماذج فعالة واقتصادية ستكون في موقع أفضل لتقديم خدمات ذكاء اصطناعي قابلة للتوسع وتحقيق أرباح مستدامة.
الخلاصة
يمثل توجه Microsoft نحو الاعتماد على نماذج Phi أكثر من مجرد خطوة لتقليل النفقات، فهو يعكس تحول استراتيجي في طريقة بناء وتشغيل خدمات الذكاء الاصطناعي، فمع تزايد أعداد مستخدمي Copilot واتساع دمج الذكاء الاصطناعي في تطبيقات مثل Word وOutlook وExcel وTeams، أصبحت الكفاءة التشغيلية عامل حاسم لا يقل أهمية عن قوة النموذج نفسه.
ومن خلال تبني فلسفة النموذج المناسب للمهمة المناسبة، تستطيع مايكروسوفت تقليل الاعتماد على النماذج العملاقة في المهام الروتينية، مع الاحتفاظ بها للحالات التي تتطلب قدرات استدلال متقدمة. ويؤدي هذا النهج إلى خفض استهلاك موارد الحوسبة، وتقليل تكاليف البنية التحتية، وتحسين سرعة الاستجابة، وزيادة هامش الربح.

