لم تعد العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وMeta مجرد نقاش قانوني حول الخصوصية أو الشفافية، بل تحولت إلى مواجهة مباشرة حول طريقة بناء فيسبوك وإنستجرام.
فالمفوضية الأوروبية تعتبر أن منصات السوشيال ميديا العملاقة يجب أن تمنح المستخدمين حماية فعلية، وأن تقلل من التصميمات التي قد تدفعهم إلى التمرير المستمر، أو الاستجابة الاندفاعية، أو البقاء أطول وقت ممكن داخل المنصة.
وهذا يضع Meta تحت ضغط تنظيمي متصاعد لإعادة النظر في عناصر أساسية داخل الواجهة وتجربة الاستخدام، لا في الشكل فقط بل في المنطق البرمجي الذي يحكمها أيضًا.
لماذا يضغط الاتحاد الأوروبي على ميتا؟
1) لأن DSA يفرض شفافية أكبر وحدود على التصميم المضلل
قانون الخدمات الرقمية (DSA) لا ينظر إلى المنصات باعتبارها مجرد تطبيقات اجتماعية، بل كبنى رقمية مؤثرة على الصحة النفسية، وحماية الأطفال، وتوزيع المعلومات، وسلامة المستخدم.
ولهذا يفرض القانون على المنصات الكبيرة تقليل المخاطر المنهجية، وتوفير آليات سهلة للإبلاغ عن المحتوى غير القانوني، وإتاحة خيارات لتغذية غير مخصصة، مع حظر الأنماط المظلمة أو التصميمات الخادعة مثل الأزرار المربكة ورسائل الموافقة المضللة.
2) لأن الاتحاد الأوروبي يعتبر واجهات السوشيال ميديا جزء من حماية البيانات
حتى قبل DSA، كان المنظمون الأوروبيون يتعاملون مع تصميم الواجهة باعتباره عنصر قانوني، لا جمالي فقط.
فإرشادات المجلس الأوروبي لحماية البيانات (EDPB) تشرح أن الأنماط المظلمة في منصات التواصل قد تدفع المستخدم إلى قرارات غير مقصودة أو غير واعية بشأن بياناته الشخصية، وأن مسؤولي المنصات يظلون مسؤولين عن الامتثال لقواعد GDPR في طريقة العرض، والطلب على الموافقات، وتنظيم الوصول إلى الإعدادات، وإغلاق الحسابات.
3) لأن الاتحاد الأوروبي يرى أن المستخدم لا يجب أن يدفع إلى البقاء بالقوة
في منطق الاتحاد الأوروبي، المشكلة ليست أن المنصات تجذب الانتباه فقط، بل أن بعض أدواتها قد تحول الانتباه إلى سلوك قسري شبه تلقائي.
لذلك تتوسع الرقابة الأوروبية من ملف البيانات إلى ملف السلوك التصميمي نفسه مثل: كيف يظهر المحتوى، كيف تعرض الإشعارات، كيف تدار الموافقة، وكيف تقدم التوصيات.

ما الذي يزعج المنظمين الأوروبيين في فيسبوك وإنستجرام؟
التصميم الإدماني ليس اتهام عابر
في أحدث تطورات القضية، قالت المفوضية الأوروبية في يوليو 2026 إنها وجدت Meta أوليًا في مخالفة لـ DSA بسبب التصميم الإدماني لفيسبوك وإنستجرام، وأشارت إلى عناصر مثل التمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي، والإشعارات الفورية، وأنظمة التوصية شديدة التخصيص.
كما ذكرت أن ميتا لم تقيم بما يكفي مخاطر هذا التصميم على الصحة الجسدية والنفسية للمستخدمين، بمن فيهم المراهقون والبالغون الأكثر هشاشة.
المعضلة الأوروبية: التفاعل أم الاستغلال؟
المنطق الأوروبي هنا واضح، المنصة ليست ممنوعة من تحسين التفاعل، لكنها ممنوعة من دفع المستخدم إلى التفاعل عبر آليات قد تقرأ كاستغلال لنقاط الضعف البشرية.
لذلك يتحول الجدل من سؤال هل الواجهة جميلة؟ إلى سؤال أكثر عمق وهو: هل الواجهة تمنح المستخدم حرية حقيقية أم توجهه بسلاسة إلى قرارات تخدم اقتصاد الإعلانات قبل أن تخدمه هو؟
لماذا تدخل هذه القضية ضمن حماية المراهقين؟
لأن الاتحاد الأوروبي يرى أن المراهقين أكثر عرضة للأنماط المقنعة
المفوضية الأوروبية أوضحت في أكثر من إجراء أن حماية المراهقين والاطفال أصبحت محور أساسي في تطبيق DSA، وأن المنصات الكبيرة يجب أن تقلل من مخاطر التعرض للمحتوى غير الملائم للعمر، وأن تتجنب الإعلانات الموجهة للأطفال، وأن توفر وسائل أكثر فاعلية للتعامل مع الإبلاغ والمراجعة.
وفي أبريل 2026، أعلنت المفوضية أيضًا أنها وجدت ميتا بصورة أولية في مخالفة لـ DSA بسبب الفشل في منع من هم دون 13 عام من استخدام إنستجرام وفيسبوك، رغم أن شروط المنصتين نفسها تحدد هذا العمر الأدنى.
لأن الخوارزميات قد تصبح طريق إلى دوائر محتوى مغلقة
التحذير الأوروبي لا يتعلق فقط بالوصول إلى المنصة، بل بما يحدث داخلها بعد الدخول.
فالمفوضية تراقب ما إذا كانت الخوارزميات وميزات التوصية قد تدفع المستخدمين، خصوصًا الصغار، إلى ما تسميه “rabbit-hole effects” أو الدوائر المتتابعة من المحتوى التي تزداد معها احتمالات التعلق والاندفاع.

هل يريد الاتحاد الأوروبي إعادة تصميم فيسبوك وإنستجرام بالكامل؟
يريد إعادة تصميم منطق الواجهة أكثر من الألوان
الاتحاد الأوروبي لا يبدو مهتم بالألوان أو ترتيب الأزرار بقدر ما هو معني بالتأكد من أن التصميم لا يضلل المستخدم ولا يضخم اعتماده على المنصة.
هذا يتضح من حظر الأنماط المظلمة، ومن طلب خيارات تغذية غير مخصصة، ومن التشديد على آليات تبليغ سهلة، ومن التوسع في تقييم المخاطر المتعلقة بالصحة النفسية وحماية القاصرين.
أي أن المعركة الحقيقية تدور حول فلسفة المنتج نفسها، لا حول الشكل الخارجي فقط.
والهدف النهائي: تحويل المستخدم من مادة خام إلى صاحب قرار
في النموذج الأوروبي المثالي، يجب أن تكون السيطرة في يد المستخدم مثل: ماذا يرى، لماذا يراه، كيف يوقفه، وكيف يخرج من التجربة بسهولة.
وهذه الفكرة تظهر بوضوح في DSA عندما يتيح للمستخدمين اختيار تغذية غير شخصية، ويشدد على الشفافية الإعلانية، ويحظر أنماط الخداع، ويلزم المنصات بتقليل المخاطر المنهجية بدل تركها تتضخم داخل التصميم.
ما الذي يمكن أن يتغير فعليًا في فيسبوك وإنستجرام؟
1) تقليل الاعتماد على الدفع المستمر نحو المحتوى
قد تضطر ميتا إلى إعادة تقييم عناصر مثل التوصيات التلقائية المكثفة، وطرق عرض المحتوى التي ترفع بقاء المستخدم داخل التطبيق على حساب سيطرته الشخصية، لأن المفوضية تربط بين هذه الآليات وبين المخاطر على الصحة النفسية والإدمان السلوكي.
2) تبسيط الإبلاغ والاعتراض
المفوضية قالت في أحدث نتائجها الأولية إن آليات الإبلاغ عن المحتوى غير القانوني في فيسبوك وإنستجرام ليست سهلة الاستخدام بما يكفي، وإن آليات الاستئناف لا تبدو واضحة أو فعالة بما يكفي للمستخدمين.
هذا يعني أن إعادة التصميم قد تشمل أيضًا تدفق الخطوات داخل صفحات الإبلاغ والاعتراض، لا مجرد الواجهة العامة.
3) رفع مستوى الحماية للمراهقين
من المرجح أن يبقى هذا الملف في مقدمة الضغط الأوروبي، لأن المفوضية شددت بالفعل على التزام المنصات بحماية المراهقين ومنع الإعلانات الموجهة للأطفال وتخفيف التعرض للمحتوى غير الملائم للعمر.
الخلاصة
الصراع بين الاتحاد الأوروبي وMeta ليس حرب شكلية على واجهات جميلة أو نسخ تصميمية جديدة، بل صدام بين نموذجين، نموذج اقتصادي يرى الانتباه أصلًا يجب استخراجه وتعظيمه، ونموذج تنظيمي أوروبي يريد تحويل المنصة إلى بيئة مضبوطة لا تربك المستخدم ولا تستغل نقاط ضعفه.
ومع تراكم إجراءات DSA وملفات حماية المراهقين والأطفال، يبدو أن مستقبل فيسبوك وإنستجرام في أوروبا لن يحسم فقط في غرف التطوير، بل أيضًا في غرف التحقيق والتنظيم.

