في بداية 2026 شهدنا موجة مفاجئة وربما متوقعة من حذف قنوات وفيديوهات على يوتيوب تنتج ما صار يعرف عالمياً بـ “AI Slop” أو المحتوى الذكاء الاصطناعي الرديء، فيديوهات جامدة، مكررة، تعتمد بالكامل على مولدات نص إلى فيديو/صوت، وتصمم لالتقاط التحويلات والإعلانات أكثر من تقديم قيمة حقيقية للمشاهد.
أكبر عمليات الحذف أزالت عشرات القنوات والمليارات من المشاهدات، وأطلقت نقاش حاد داخل المجتمع التقني حول دور الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى ومستقبل قنوات الأتمتة.
1) منطق يوتيوب الجديد: ليست الحرب ضد الذكاء الاصطناعي، بل ضد “الـ AI Slop”
يوتيوب لم يقل “لا” للذكاء الاصطناعي، بل قال “لا” للمحتوى الذي ينتج بكميات كبيرة وبجودة متدنية ويضيف صفر تقريباً من الوجهة الإبداعية أو التعليمية. الشركات والمؤسسات الإعلانية ضغطت ومنطقي على يوتيوب للحفاظ على جودة المحتوى المعروض أمام المشاهدين والمعلنين، لأن دخول محتوى منخفض الجودة بكثافة يقلل من قابلية المنصة لرفع أسعار الإعلانات واستقطاب ميزانيات تلفزيونية. التحول هذا انعكس في تصريحات رسمية لرئيس YouTube وفي تحديثات العمليات الداخلية للمنصة.
2) ماذا حدث بالفعل؟ أرقام ومشهد الحذف المباشر
تقارير مستقلة وعلى رأسها بحث شركة Kapwing رصدت انتشار “AI Slop” وذكرت أن نسبة كبيرة من المحتوى الموصى به للمستخدمين الجدد تتكون من فيديوهات مولدة آلياً، وأن مئات القنوات تعتمد كلياً على هذا الأسلوب.
استجابة لهذا، شرعت يوتيوب في حذف مجموعة من القنوات الكبيرة في نهاية 2025 وبداية 2026، ما أدى إلى اختفاء ما يقدر بالمليارات من المشاهدات من على المنصة.
التغطية الإعلامية سجلت أمثلة متعددة للقنوات التي حذفت أو تقيدت بشدة بسبب ممارسات تلقائية أو محتوى مضلل.

3) تحديثات سياسة الربح (Monetization)
يوتيوب حدث قواعد برنامج الشركاء (YPP) وسياسات مراجعة قابلية الإعلان خلال 2024 – 2025، ومع تطبيق تحديثات صارمة بدأت فعلياً في 15 يوليو 2025 للتركيز على المحتوى “المعاد تدويره” أو الناتج الآلي بلا قيمة إبداعية حقيقية.
النتيجة: قنوات faceless (بدون وجود بشري واضح) والتي تعتمد كلياً على أصوات/محتوى آلي قد تفقد حقها في تحقيق الدخل، ما لم تظهر “تعديل إبداعي ملموس” أو قيمة تعليمية/تحليلية واضحة.
باختصار: يوتيوب لا يجرم الأدوات، لكنه يجرم الناتج الذي لا يحمل لمسة بشرية ملموسة أو فائدة حقيقية.
4) المحتوى المضلل و”الديب فيك” – لماذا تراقب هذه الفئة بشدة؟
استخدام تقنيات توليد الوجوه والأصوات لنسخ شخصيات عامة أو لنشر معلومات صحية/سياسية مغلوطة يعد من أخطر أشكال إساءة استعمال الذكاء الاصطناعي. يوتيوب وسع آليات الشكوى الخاصة بالخصوصية وأجريت تعديلات على سياسات الانتحال (impersonation) والسلوك الخادع للسماح بإزالة أو حظر مثل هذا المحتوى السام بسرعة أكبر، خصوصاً عندما يهدد السلامة أو ينشر معلومات مضللة عن الصحة/السياسة. كذلك، الشركات والمنصات تدفع باتجاه تشريعات وشفافية أعلى حول الوسوم وملكية الصورة/الصوت.
5) آراء المجتمع التقني: بين تفاؤل حذر وغضب منشئي المحتوى
المجتمع التقني لم يجمع على رأي واحد، بعض المحللين يعتبرون خطوة YouTube تنظيف ضروري لحماية النظام الإيكولوجي للمبدعين والموثوقية الإعلانية، اخرون يحذرون من سيناريو “إغراق المحتوى الحقيقي” بأدوات مكافحة قد تؤثر خطأً على قنوات بشرية أو على ابتكار صناع مستقلين يستخدمون الـ AI بشكل مشروع.
تقارير وسائل الإعلام أعادت تذكير الجميع بأن المشكلة ليست تقنية فحسب بل أيضاً اقتصادية، نماذج الربح تحفز على الكمية، والذكاء الاصطناعي جعل إنتاج الكمية سريع ورخيص.
6) كيف تنجو قناتك؟ – نصائح عملية ومباشرة
إذا كنت صانع محتوى أو تدير قناة أو تعتمد جزء من عملك على أدوات آلية، فإليك خطة عمل عملية مكونة من نقاط قابلة للتطبيق:
أ. عامل الـ AI كـ “مساعد” لا كـ “بديل”
- استخدم الذكاء الاصطناعي في المهام المساعدة مثل: توليد مسودات نصية، تحسين جودة الصوت، أو اقتراحات مونتاج.
- أعد كتابة وتعديل النصوص المولدة آلياً بحضور بشري واضح، أضف تحليلك، أمثلة، وتعليقاتك الخاصة.
يوتيوب يقيس مستوى التحول الإبداعي والملكية البشرية في الفيديو.
ب. أعلن بوضوح عن استخدامك لأدوات الذكاء الاصطناعي (Labeling)
- إذا كان الفيديو يتضمن صوت أو وجه شخصية تظهر واقعية، ضع إفصاح نصي وذكر الأدوات المستخدمة في وصف الفيديو وداخل الفيديو نفسه عند الضرورة.
- لا تترك الجمهور يكتشف لاحقاً أن المحتوى “مزور”
الشفافية تقلل مخاطر الشكاوى وحذف المحتوى.
ج. اجعل العنصر البشري واضح في قيمة المحتوى
- القيمة تعليمية/التحليلية/التعليق الشخصي هي مفتاح الربح والاستمرارية. تشرح لماذا الفيديو مهم؟ ماذا يتعلم المشاهد؟ كيف تضيف أنت بصوتك وخبرتك قيمة لا يمكن للـ AI وحده توفيرها؟
د. منع التكرار والتماثل
- تجنب قوالب تعيد نفس الشكل مراراً (نفس الموسيقى، نفس الصيغة، نفس السرد الالي).
- استثمر في تنويع المصادر، الصوتيات، ومقاطع B-roll بشرية أو مرخصة لانخفاض المخاطر.
هـ. احترس من المحتوى الحساس: الصحة والسياسة والشخصيات العامة
- في المواضيع الحساسة (نصائح طبية، ادعاءات سياسية، ادعاءات قانونية)، استند إلى مصادر موثوقة ووضح أنك لست بديل عن المختصين، تجنب الاستنتاجات المصطنعة أو التمثيلات المضللة للأشخاص.
و. راقب تحليلات قناتك واحتفظ بأرشيف توثيقي
- احتفظ بسجلات عمل بصري/نصي توضح مستوى التعديل البشري. إذا بدأت المنصة بفحص قناتك، هذا الأرشيف سيساعد في طعن قرارات الإزالة أو فقدان الربح.
7) ماذا يعني هذا لقنوات الأتمتة (Automation Channels)؟
قنوات الأتمتة ليست كلها محكوم عليها بالإغلاق، لكن مستقبلها يتطلب إعادة تصميم نموذج العمل:
- قنوات تبني قيمة مضافة بشرية قابلة للقياس (تحليل، تجميع بصري ذكي، تحقيقات قصيرة) قد تبقى وتربح.
- قنوات تعتمد كلياً على توليد صور/أصوات/نصوص آلية فقط، تواجه مخاطر حقيقية لفقدان الربح أو الحذف.
القانون الاقتصادي والمنصات لا يعاقبان التكنولوجيا، بل يعاقبون الاستراتيجية التي تستغلها بدون إبداع أو شفافية.
8) أدوات الكشف والردع – كيف تكافح يوتيوب الـ “AI Slop”؟
يوتيوب يطور أدوات كشف آلي جديدة، ويستعين بنماذج داخلية لتصفية المحتوى المكرر/الآلي ويزيد من المراجعات البشرية في قرارات الربح.
كما يتعاون مع شركات كشف التزوير (reality/forensic tools) ويطبق آليات شكاوى موسعة للأفراد المتضررين من انتحال الصوت أو الصورة.
الخلاصة: هل هذا نهاية عصر الـ AI في الفيديو؟ أم بداية عصر أفضل؟
السيناريو الأرجح ليس منع الذكاء الاصطناعي، بل إعادة توازنه داخل منظومة المحتوى، ذكاء اصطناعي مساعد + حس إنساني = محتوى مقبول.
يوتيوب يوضح أنه يريد منصة يستطيع الجمهور والمعلنون الوثوق بها، لذا ستكون المكافأة للأفكار الأصلية والمحركة إنسانياً، وليس للكميات المولدة آلياً بلا هدف.
لكل مبدع اليوم الخيار واضح، إما أن يرفع قيمة عمله البشرية، أو أن يواجه مخاطر حذف القناة أو فقدان دخلها.

