في الوقت الذي يتسارع فيه تطور الذكاء الاصطناعي نحو فهم الصور والفيديو واللغة الطبيعية، تظهر تطبيقات جديدة تحاول تحويل هذه القدرات إلى أدوات عملية لتحسين حياة الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، ومن أبرز هذه التجارب تطبيق ScribeMe المصري، الذي طوره المبرمج ورائد الأعمال الكفيف مارك مراد بهدف منح المكفوفين طريقة أكثر استقلالية لفهم العالم المحيط بهم.
وتقوم الفكرة الأساسية للتطبيق على مفهوم يمكن تلخيصه في معادلة بسيطة وهي: تحويل الكاميرا إلى “عين ناطقة” تفهم البيئة المحيطة في الوقت الفعلي، ثم تنقل هذا الفهم للمستخدم عبر الصوت.
أصبح ScribeMe مستخدم من الاف الأشخاص في نحو 140 دولة، مع دعم 20 لغة من بينها العربية، كما أصبح متاح على الهواتف الذكية، إضافة إلى دمجه مع نظارات Meta الذكية.
من تجربة شخصية إلى مشروع يخدم المكفوفين
قصة ScribeMe تبدأ من تجربة شخصية لمارك مراد، الذي فقد بصره تدريجيًا وصولًا إلى فقدانه الكامل تقريبًا خلال عدة سنوات، وواجه خلال دراسته مشكلة لم تكن حلول قارئات الشاشة التقليدية قادرة على التعامل معها، خصوصًا عند التعامل مع الرسوم البيانية والمخططات والمعادلات والمحتوى البصري المعقد.
وبحسب رويترز، حاول مارك التواصل مع مطورين لتطبيقات مشابهة في الخارج، لكنه لم يحصل على استجابة، ما دفعه إلى تعلم البرمجة بنفسه من خلال دروس على YouTube، وبحلول عام 2023 كان قد تمكن من بناء نسخة عاملة من التطبيق.
ومع الوقت، تطورت الفكرة من أداة لقراءة المستندات إلى منصة أكثر شمولًا للمساعدة البصرية، خاصة بعد حصول المشروع على تقدير في مسابقات تقنية، من بينها Vodafone AI Assistive Tools Hackathon عام 2024، وهو ما ساعد في توسيع نطاق قدرات التطبيق.

ولا تتوقف القصة عند مارك فقط، إذ استفادت شقيقته كارين، وهي أيضًا كفيفة من التطبيق في مواقف الحياة اليومية والدراسة والتنقل.
وتناول تقرير رويترز تجربة لها في رحلة إلى كينيا، حيث استخدمت ScribeMe مع نظارات Meta الذكية للحصول على وصف مستمر للمشاهد والحيوانات والمسافات من حولها، ما أعطاها تصور صوتي للمكان الذي تتواجد فيه.
كيف يعمل ScribeMe؟ تحويل الكاميرا إلى عين ناطقة
بعيدًا عن فكرة OCR التقليدية التي تركز على استخراج الكلمات من صورة، يحاول ScribeMe التعامل مع الصورة باعتبارها مصدر غني بالسياق والمعلومات.
ومن خلال موقعه الرسمي، يقدم التطبيق مجموعة من الأدوات التي تجمع بين قراءة النصوص، وفهم الصور والمشاهد، والتفاعل اللحظي عبر الكاميرا.
وصف المشاهد وفهم البيئة المحيطة
إحدى أبرز نقاط قوة ScribeMe هي قدرته على تقديم وصف صوتي للمشهد الذي تلتقطه الكاميرا، وبدلًا من الاكتفاء بقراءة كلمة أو التعرف على جسم واحد، يستطيع التطبيق تقديم معلومات عن البيئة المحيطة ومحتوياتها.

وتشير الشركة إلى أن وضع Live Assist يعتمد على الرؤية المستمرة من كاميرا الهاتف مع إمكانية طرح أسئلة حول ما يراه التطبيق، إلى جانب اكتشاف الأشياء والمساعدة في فهم البيئات المعقدة.
هذه الفكرة تجعل الكاميرا أكثر من مجرد أداة تصوير، فهي تتحول إلى واجهة حسية يمكن للمستخدم من خلالها الحصول على معلومات صوتية عن العالم من حوله.
قراءة المستندات والنصوص والكتابة اليدوية
لا يزال استخراج النصوص من أهم استخدامات ScribeMe، لكنه يتجاوز مفهوم تصوير ورقة ثم تحويلها إلى نص.
ويوفر التطبيق أدوات لمسح المستندات وتحليلها، إضافة إلى التعامل مع ملفات مثل PDF وPowerPoint، وتحويل المحتوى إلى صيغ يمكن الوصول إليها بسهولة، مثل النصوص أو ملفات Word.
كما تذكر المنصة إمكانية قراءة الملاحظات المكتوبة بخط اليد، وهو استخدام بالغ الأهمية في الحياة اليومية للطلاب والمستخدمين الذين يحتاجون إلى قراءة المذكرات أو الأوراق غير المطبوعة.
ومن النقاط اللافتة أيضًا دعم التطبيق لـ 20 لغة، من بينها العربية، وهو جانب مهم خصوصًا في المنطقة العربية التي تحتاج إلى أدوات وصول رقمي قادرة على التعامل مع اللغة العربية بصورة مباشرة.

السؤال والتفاعل الصوتي بدلًا من الأوامر التقليدية
الفرق الحقيقي بين قارئ مستندات تقليدي ومساعد بصري مدعوم بالذكاء الاصطناعي يظهر عندما يصبح التطبيق قادر على الإجابة عن أسئلة المستخدم حول المشهد.
فعلى سبيل المثال، يمكن للمستخدم أن يسأل:
“أين وضعت مفاتيحي على الطاولة؟”
أو:
“ما المبلغ الموجود على هذه الفاتورة؟”
أو حتى أن يطلب فهم ما يحيط به في لحظة معينة.
وتوضح ScribeMe أن ميزة Live Assist تتيح طرح أسئلة حول البيئة التي تراها الكاميرا، بينما يستطيع النظام استخدام الرؤية الحاسوبية وتحليل الصورة لتكوين إجابة مفيدة للمستخدم.
وهنا تظهر إحدى أهم مزايا الذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط وهي أن المستخدم لا يتعامل مع صورة منفصلة أو نص منفصل، وإنما مع نظام يفهم العلاقة بين الصورة والسؤال والإجابة.

التعرف على الأشخاص والوجوه
يوفر ScribeMe كذلك ميزة اختيارية للتعرف على الوجوه بهدف مساعدة المستخدمين المكفوفين على معرفة الأشخاص الذين يقابلونهم.
وبحسب موقع التطبيق، يمكن للمستخدم رفع صورة لشخص مرة واحدة، ليتمكن النظام لاحقًا من التعرف عليه ضمن صور أخرى باستخدام ميزة Face Recognition.
وتكشف سياسة الخصوصية المنشورة على الموقع أن هذه الميزة اختيارية، وأن المستخدم يستطيع حذف ملفات الوجوه المحفوظة، كما تؤكد الشركة أنها لا تستخدم بيانات التعرف على الوجوه لأغراض الإعلانات أو المراقبة أو بيعها لأطراف أخرى.
تطبيق ScribeMe ونظارات Meta الذكية
من التطورات المهمة في المشروع دمجه مع Meta Smart Glasses.
وهذا الدمج يحمل أهمية عملية كبيرة، لأن استخدام الهاتف لتوجيه الكاميرا قد يتطلب إمساكه بشكل مستمر، بينما تسمح النظارات بوضع الكاميرا في مستوى الرؤية وإيصال المعلومات للمستخدم بشكل أكثر انسيابية.
وبحسب رويترز، يساعد الدمج مع نظارات Meta على إبقاء يدي المستخدم حرتين، وهو أمر مهم للأشخاص الذين يعتمدون على العصا أثناء الحركة.

وبذلك تنتقل الفكرة من تطبيق على الهاتف إلى مفهوم أقرب إلى مساعد بصري قابل للارتداء يمكن استخدامه أثناء التنقل والدراسة والتسوق والتعامل مع الأشياء اليومية.
أكثر من مجرد تطبيق لقراءة النصوص
ما يجعل تجربة ScribeMe لافتة هو أنها تعكس تحول واضح في استخدام الذكاء الاصطناعي لخدمة ذوي الإعاقة.
فالهدف لم يعد فقط تحويل النص المطبوع إلى صوت، بل بناء نظام يستطيع التعامل مع مجموعة من المعلومات في الوقت نفسه مثل: النص، الصورة، الأشخاص، الأشياء، المكان، والسؤال الذي يطرحه المستخدم.
ويشير الموقع الرسمي إلى استخدام ScribeMe في قراءة المستندات، وصف الصور والمشاهد، تحليل المحتوى البصري، والمساعدة اللحظية عبر كاميرا الهاتف.
هذا النوع من التطبيقات يوضح كيف يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي متعددة الوسائط أن تنتقل من المختبر إلى سيناريوهات استخدام حقيقية، خصوصًا عندما يتم تصميمها انطلاقًا من احتياج شخصي واضح.

تجربة مصرية تحمل رسالة عالمية
لا تقتصر أهمية ScribeMe على التكنولوجيا نفسها، بل تمتد إلى قصة تطوير حل تقني من داخل مجتمع المستفيدين منه.
مارك مراد لم يبدأ المشروع من منظور تجاري بحت، وإنما من مشكلة واجهها بنفسه أثناء الدراسة والحياة اليومية.
ومن ثم تحولت الحاجة الشخصية إلى منتج يمكن استخدامه من قبل الاف الأشخاص حول العالم ليصل إلى مستخدمين في نحو 140 دولة.
كما أن وجود دعم للغة العربية إلى جانب اللغات الأخرى يضيف ميزة مهمة للمشروع، خصوصًا في الشرق الأوسط، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دور متزايد في تحسين الوصول إلى التعليم والمعلومات والخدمات الرقمية للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.
الخلاصة: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة لاستعادة الاستقلالية
تجربة ScribeMe تقدم نموذج مختلف لكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، فالقيمة الحقيقية هنا ليست في أن التطبيق يستطيع رؤية صورة أو قراءة نص، وإنما في تحويل هذه القدرات إلى معلومات قابلة للاستخدام لحظيًا من جانب شخص لا يستطيع الاعتماد على بصره.
ومن خلال الجمع بين الرؤية الحاسوبية، وفهم المشاهد، واستخراج النصوص، والتفاعل الصوتي، والتعرف الاختياري على الوجوه، ودعم الهواتف ونظارات Meta الذكية، يحاول ScribeMe بناء ما يشبه “عين ناطقة” تعتمد على الكاميرا لفهم العالم ونقل معناه إلى المستخدم.
والأهم أن قصة مارك مراد تؤكد أن الابتكار أحيانًا يبدأ من أكثر المشكلات الشخصية إلحاح، فعندما تتحول تجربة فقدان البصر إلى مشروع تقني يساعد الآخرين على رؤية العالم بطريقة مختلفة، يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد تقنية متقدمة، ويتحول إلى أداة للتمكين والاستقلالية.

